الشيخ محمد رشيد رضا
377
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قالُوا : مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي قال الواعظون للائمين : نعظهم وعظ عذر نعتذر به إلى ربكم عن السكوت على المنكر وقد أمرنا بالتناهي عنه ، ورجاء في انتفاعهم بالموعظة ، وحملها لهم على اتقاء الاعتداء الذي اقترفوه . أي فنحن لم نيأس من رجوعهم إلى الحق يأسكم * * * فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي فلما نسي العادون المذنبون ، ما ذكرهم ووعظهم به اخوانهم المتقون ، بأن تركوه وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسيّ في كونه لا تأثير له أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ أي عن العمل الذي تسوء عاقبته أي أنجيناهم من العقاب الذي استحقه فاعلو السوء بظلمهم وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وحدهم بِعَذابٍ بَئِيسٍ أي شديد من البأس وهو الشدة ، أو البؤس وهو المكروه أو الفقر بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بسبب فسقهم المستمر ، لا بظلمهم في الاعتداء في السبت فقط . وذلك أن وصفهم بأنهم ظلموا تعليل لأخذهم بعذاب بئيس ، على قاعدة كون بناء الحكم أو الجزاء على المشتق يدل على أن المشتق منه علة له ، ولكن اللّه تعالى لا يؤاخذ كل ظالم في الدنيا بكل ظلم يقع منه ولو كان قليلا في الصفة أو العدد - وان شئت قلت في الكيف أو الكم - بدليل قوله ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) وقوله ( وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) * وانما يؤاخذ الأمم والشعوب في الدنيا قبل الآخرة بالظلم والذنوب التي يظهر أثرها فيها بالاصرار والاستمرار عليها ، وهو ما أفاده هنا في هؤلاء اليهود قوله تعالى ( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) وانما يكون العقاب على بعض الذنوب دون بعض في الدنيا خاصا بالأفراد أو الجماعات الصغيرة من المذنبين كأهل هذه القرية الذين كانوا بعض أهل قرية من أمة كبيرة ، واما الأمم الكبيرة فهي التي تصدق عليها سنن اللّه في عقاب الأمم إذا غلب عليهم الفسق والظلم كقوله تعالى ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) الا ان يقال إن الفاسقين من أهل تلك القرية كانوا أقل من الفريقين الآخرين . وقد عاقب اللّه بني إسرائيل كافة بتنكيل البابليين ثم النصارى بهم وسلبهم ملكهم ، عندما عم فسقهم ، ولم يدفع